الزركشي

18

البرهان

السادس : التعجب ، كقوله تعالى : ( فقتل كيف قدر . ثم قتل كيف قدر ) ، فأعيد تعجبا من تقديره وإصابته الغرض ، على حد : قاتله الله ما أشجعه ! السابع : لتعدد المتعلق ، كما في قوله تعالى : ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) ، فإنها وإن تعددت ، فكل واحد منها متعلق بما قبله ، وإن الله تعالى خاطب بها الثقلين من الإنس والجن ، وعدد عليهم نعمه التي خلقها لهم ، فكلما ذكر فصلا من فصول النعم طلب إقرارهم واقتضاهم الشكر عليه ، وهي أنواع مختلفة ، وصور شتى . فان قيل : فإذا كان المعنى في تكريرها عد النعم واقتضاء الشكر عليها ، فما معنى قوله : ( يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ) ؟ وأي نعمة هنا ، وإنما هو وعيد ! قيل : إن نعم الله فيما أنذر به وحذر من عقوباته على معاصيه ليحذروها فيرتدعوا عنها ، نظير أنعمه على ما وعده ، وبشر من ثوابه على طاعته ، ليرغبوا فيها ، ويحرصوا عليها ، وإنما تتحقق معرفة الشئ بأن تعتبره بضده ، والوعد والوعيد وإن تقابلا في ذواتهما ، فإنهما متقاربان في موضع النعم بالتوقيف على ملاك الأمر منها ، وعليه قول بعض حكماء الشعراء : والحادثات وإن أصابك بؤسها * فهو الذي أنباك كيف نعيمها وإنما ذكرنا هذا ، لتعلم الحكمة في كونها زادت على ثلاثة ، ولو كان عائدا لشئ واحد لما زاد على ثلاثة ، لأن التأكيد لا يقع به أكثر من ثلاثة . فإن قيل : فإذا كان المراد بكل ما قبله ، فليس ذلك بإطناب ، بل هي ألفاظ أريد بها غير ما أريد بالآخر !